الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

58

نفحات الولاية

الأخير أنسب بالالتفات إلى الروايات التي صرحت بخلق السماوات قبل خلق الكائنات الأرضية إلى جانب ما جاء في الخطبة الأولى من نهج البلاغة التي مرّ شرحها . ثم صرح عليه السلام أنّ أصوت المسبحين قد ملأت أقطار السماء ودوت في حظائر القدس وسترات حجب العظمة : « وبين فجوات « 1 » تلك الفروج زجل « 2 » المسجين منهم في حظائر « 3 » القدس ، وسترات الحجب ، وسرادقات « 4 » المجد » . إلّاان هذا لا يعنى ان الملائكة المقربين استطاعوا أن يبلغوا أوج معرفة سبحانه ، ومن هنا أتبع الإمام عليه السلام ذلك بقوله أنّ وراء تلك الصيحات والتسبيحات ، سبحات النور التي تردع الأبصار وتوقفها عند حدها « ووراء ذلك الرجيح « 5 » الذي تستك « 6 » منه الأسماع سبحات « 7 » نور تردع الأبصار عن بلوغها ، فتقف خاسئة « 8 » على حدودها » . طبعا لا تعنى هذه العبارة أنّ للَّه سبحانه وتعالى موضع في السماوات وقد أحيط من كل جانب بطبقات من الأنوار الشديدة ، بل المراد أنّ هناك مراكز مقدسة في عالم الوجود تعجز عن مشاهدتها حتى الملائكة . كما يمكن ان يكون المراد من هذه العبارة أنّ ملائكة ورغم قربها من اللَّه وغرقها في العبادة والتسبيح ، إلّاأنّها عاجزة عن إدراك كنه ذاته وصفاته سبحانه ، وليس لها من نصيب سوى على قدر إدراكها . بعبارة أخرى لوحملنا هذه العبارات وفسرناها على أساس ظاهرها فانّها تفيد أنّ في السماء مواضع تتمتع بقدسية خاصة وهالة من النور ( وهو المعنى الذي أشارت إليه بعض الروايات والأخبار ) « 9 » .

--> ( 1 ) « فجوات » جمع « فجوة » الموضع الواسع ، كما تأتي بمعنى الفراغ بين الشيئين ، وردت في قصة أصحاب‌الكهف في القرآن كإشارة لسعة غار أصحاب الكهف « وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ » . ( 2 ) « زجل » من مادة « زجل » على وزن حمل بمعنى قذف الشئ ، وزجل على وزن عمل بمعنى الصوت المرتفع والمطرب ، كما أطلقت على كل صوت مرتفع . ( 3 ) « حظائر » جمع « حظيرة » المنطقة الممنوعة ومادتها « حظر » على وزن فرض بمعنى المنع . ( 4 ) « سرادقات » جمع « سرادق » الحجاب والخيمة العظيمة . ( 5 ) « رجيح » من مادة « رج » على وزن حج الزلزلة والاضطراب . ( 6 ) « تستك » منه تصم منه الاذان لشدته . ( 7 ) « سبحات » جمع « سبحة » بمعنى النور والعظمة ، واضافتها إلى النور في العبارة هي إضافية بيانية . ( 8 ) « خاسئة » من مادة « خسأ » على وزن مدح الدفع والطرد مع التحقير . ( 9 ) راجع بهذا الشأن بحارالأنوار ، ج 55 كتاب « السماء العالم » الباب 5 ( الحجب والاستار والسرادقات ) .